"الرياضيات… لماذا يخشاها الطلاب؟ بين القلق وضعف الأساسيات وحلول
ممكنة"
مقدمة
الرياضيات هي لغة العلم والتكنولوجيا،
ومفتاح للتفكير المنطقي وحل المشكلات. ومع ذلك، يصفها كثير من الطلاب بأنها
"الكابوس الأكبر" في حياتهم الدراسية. البعض يراها صعبة، والبعض الآخر
يشعر أنها لا فائدة منها، بينما هناك من يخاف حتى من النظر إلى الأرقام.
لكن، هل الرياضيات صعبة بطبيعتها؟ أم
أن المشكلة في الطريقة التي تُقدَّم بها للطلاب؟ الدراسات الدولية والبحوث
التربوية تؤكد أن السبب ليس واحدًا، بل مزيج من عوامل نفسية، ومعرفية، وتعليمية.
أولًا: ضعف
الأساسيات... بداية الحكاية
كثير من الطلاب يدخلون الصفوف العليا
وهم لم يتقنوا العمليات الأساسية (الجمع، الطرح، الضرب، القسمة). هذا الضعف البسيط
يتحول مع الوقت إلى "كرة ثلج" تكبر في كل مرحلة.
- أظهرت
دراسة طويلة في الولايات المتحدة أن مستوى الطفل في الرياضيات في الصف الأول
يتنبأ بقوة بإنجازه حتى نهاية المرحلة الابتدائية.
- إذا
لم تعالج الفجوات مبكرًا، فإن الطالب يصل إلى الإعدادي والثانوي وهو يشعر
بالعجز أمام مسائل معقدة مثل المعادلات أو الهندسة.
"قلق الرياضيات" مصطلح يستخدمه الباحثون لوصف الخوف
والتوتر من الأرقام.
- أظهرت
دراسة في مجلة PLOS
ONE أن دماغ الطلاب القَلِقين من الرياضيات يتفاعل مع المسائل
كما لو كانت تجربة مؤلمة.
- بيانات
اختبار PISA 2022
كشفت أن الطلاب الذين يعانون من
قلق مرتفع سجلوا درجات أقل بما يقارب 60 نقطة مقارنة بغيرهم، أي ما يعادل سنة
دراسية كاملة من التأخر.
هذا القلق لا يجعل الطلاب يكرهون الرياضيات فقط، بل يدفعهم لتجنّبها في خياراتهم الدراسية والجامعية لاحقًا.
غالبًا ما يُدرَّس الرياضيات بطريقة
قائمة على الحفظ والتلقين. يحفظ الطالب قاعدة "اضرب في المقام واكتب
الناتج" لكنه لا يفهم لماذا يعمل هذا القانون.
- الباحثون
يؤكدون أن الطلاب يتعلمون بعمق أكبر عندما يُسمح لهم بمحاولة التفكير والنقاش
قبل إعطائهم الحل.
- تدريس
الرياضيات عبر مواقف حياتية (مثل حساب الميزانية أو قياس مساحة ملعب) يجعل
الطالب يدرك أن المادة ليست مجرد أرقام جافة، بل أداة لحياته اليومية.
المعلّم هو الوسيط بين الطالب
والرياضيات. أبحاث تربوية عديدة أثبتت أن مستوى معرفة المعلّم بالرياضيات وطريقة
شرحه لها يرتبطان مباشرة بنتائج الطلاب.
- عندما
يُظهر المعلّم حماسًا للرياضيات، ينقله تلقائيًا إلى طلابه.
- أما
إذا اعتمد فقط على الكتاب والواجبات، من دون تحفيز أو توضيح عملي، فإن الطالب
يفقد الدافعية بسرعة.
بعيدًا عن الصعوبة والقلق، هناك سبب
آخر: غياب القيمة العملية.
- إذا
شعر الطالب أن ما يتعلمه لن يفيده في حياته أو مستقبله، فلن يجد دافعًا
للتعلم.
- تجارب
تربوية عالمية أثبتت أن الطلاب يتحسنون عندما يطلب منهم كتابة قصيرة يشرحون
فيها كيف يمكن أن تفيدهم الرياضيات في حياتهم اليومية أو في تخصص أحلامهم.
حلول عملية لإعادة الثقة بالرياضيات:
1. تقوية الأساسيات مبكرًا: توفير
برامج دعم في الصفوف الأولى للطلاب الذين يواجهون صعوبة.
2. التعامل مع القلق: تدريب
الطلاب على تقنيات مثل "الكتابة عن المشاعر قبل الاختبار"، وتشجيعهم على
اعتبار الأخطاء جزءًا طبيعيًا من التعلّم.
3. تغيير أسلوب التدريس: الانتقال
من الحفظ إلى الفهم، ومن الأمثلة النظرية إلى المواقف الواقعية.
4. إظهار فائدة الرياضيات: ربط
الدروس بحياة الطالب (الرياضة، التكنولوجيا، التسوّق).
5. دعم المعلّم وتدريبه: الاستثمار
في تدريب المعلمين على طرق حديثة تجعل الرياضيات مادة ممتعة وشيّقة.
خاتمة
الرياضيات ليست مادة
"مستحيلة"، بل هي أداة لفهم العالم. المشكلة ليست في الأرقام بحد ذاتها،
وإنما في كيفية تقديمها للطلاب وفي المشاعر المرتبطة بها. عندما نُغيّر طريقة
التدريس، وندعم الطلاب نفسيًا، ونُظهر لهم أهمية الرياضيات في حياتهم، يمكننا أن
نحول الخوف إلى ثقة، والنفور إلى حب.